سيد محمد طنطاوي
62
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال القرطبي ما ملخصه : فمن قرأ بالنصب جعل العامل « اغسلوا » وبنى على ذلك أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح . وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء وهو الثابت من فعل النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم واللازم من قوله في غير ما حديث . وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته : « ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء » ثم إن اللَّه حدهما فقال : * ( إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) * كما قال في اليدين * ( إِلَى الْمَرافِقِ ) * فدل على وجوب غسلهما ، ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء . فقال ابن العربي : اتفقت العلماء على وجوب غسلهما ، وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين ، والرافضة من غيرهم . وتعلق الطبري بقراءة الخفض - أي قال بمسح الرجلين . ثم قال : وقد قيل : إن قوله * ( وأَرْجُلَكُمْ ) * بقراءة الخفض - معطوف على اللفظ دون المعنى - أي لفظ الرؤس - وهذا أيضا يدل على الغسل ، فإن المراعى المعنى لا اللفظ وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب . وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال - تعالى - يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ ونُحاسٌ بالجر لأن النحاس هو الدخان . ثم قال : والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه ، وما ثبت من قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار » فخوفنا ذكر النار على مخالفة مراد اللَّه . ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب . ومعلوم أن المسح ليس من شأنه الاستيعاب . ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما فتبين بهذا الحديث بطلان من قال بالمسح . إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم ، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح . ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما . وحسبك بهذا حجة في الغسل مع ما بيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح وأن العامل في قوله * ( وأَرْجُلَكُمْ ) * قوله * ( فَاغْسِلُوا ) * والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما . تقول : أكلت الخبز واللبن . أي : وشربت اللبن « 1 » . وقد عقد الإمام ابن كثير فصلا أورد فيه - عند تفسيره لهذه الآية - كثيرا من الأحاديث التي وردت في غسل الرجلين ، وجعل عنوانه : « ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه » .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 91 - ص 96 .